الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

248

مختصر الامثل

يستلزم مستوىً عالياً من العلم ، وهذه هي الآيات « المتشابهات » . المنحرفون والشواذ من الناس يسعون لاستخدام إبهام هذه الآيات لتفسيرها بحسب أهوائهم وبخلاف الحق ، لكي يثيروا الفتنة بين الناس ويضلّوهم عن الطريق المستقيم ، بيدَ أنّ اللَّه والراسخين في العلم يعرفون أسرار هذه الآيات ويشرحونها للناس . رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( 9 ) النجاة من الزيغ : بالنظر لاحتمال أن تكون الآيات المتشابهات وأسرارها موضع زلل الناس ، فإنّ الراسخين في العلم المؤمنين يلجأون إلى ربّهم إضافة إلى استعمال رأسمالهم العلمي في إدراك حقيقة الآيات . وهذا ما تبيّنه هاتان الآيتان على لسان الراسخين في العلم ، وتقولان إنّ الراسخين في العلم والمفكّرين من ذوي البصيرة لا يفتأون يراقبون أرواحهم وقلوبهم لئلّا ينحرفوا نحو الطرق الملتوية ، فيطلبون لذلك العون من اللَّه ، فالغرور العلمي يخرج بعض العلماء عن مسيرهم إلى متاهات الضلال ، لأنّهم لا يلتفتون إلى عظمة الخلق والخالق وتفاهة ما عندهم من علم ، فيحرمون من هداية اللَّه ، أمّا العلماء المؤمنون فيقولون : « رَبَّنَا لَاتُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ » . وليس أشدّ تأثيراً في السيطرة على الميول والأفكار من الاعتقاد بيوم القيامة والمعاد ، إنّ الراسخين في العلم يصحّحون أفكارهم عن طريق الإعتقاد بالمبدأ والمعاد ، ويحولون دون التأثّر بالميول والأحاسيس المتطرّفة التي تؤدّي إلى الزلل ، ونتيجة لذلك يستقيمون على الصراط المستقيم بأفكار سليمة ودون عائق ، نعم هؤلاء هم القادرون على الاستفادة من آيات اللَّه كل الاستفادة . « رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّارَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَايُخْلِفُ الْمِيعَادَ » . في الحقيقة تشير الآية الأولى إلى إيمان هؤلاء الكامل « بالمبدأ » ، وتشير الآية الثانية إلى إيمانهم الراسخ « بالمعاد » . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 11 )